
بنــات الجحيـــم
توارى إلى الظـلِّ قـلـبٌ حـزيـن ْ ، يغـني تراتـيـل ظـلـم السنـيـن ْ
توارى ليخفـي دمــوع َ الحـيــاة ِ ، وبؤسَ الوجود وروحاً سجين ْ
ويـشـدو بـلـحـن المنـايـا الألـيـم ِ ، ويلغـو بلحن الأسى والأنـين ْ
ويعـزف بالنـاي فـوق الجـروح ِ ، وفـوق الدماءِ وفـوق المنـون ْ
فترقـص ذات الشعـاع الأنـيـق ِ ، وتسفر عن وجهها فى مجون ْ
وترخي على الكون دفء َ الحياة ِ ، بهمس الدلال ِ وسحر الفتون ْ
وينســاب روحُ الصباح ِ الوليد ِ ، على رنـّـةٍ مــن بقايا الفنـون ْ
فتهفـو إليـهِ عـذارى الجمال ، وتشدو إلى الكون لحن َ الشجون ْ
ويحنــو عليـه عبيـرُ المسـاءِ ، ووردُ الصباح ِ وسحرُ السكون ْ
ويحيـا يغـنى ، يغـنى ليحـيـا ، وحيداً لأجــل الهــوى والفنــون ْ
ويحيـا لأجـل الـنـدى والغديـر ِ ، ورقـص ِ الأشعـة فوق العيون ْ
ونـبـض الربيـع بقـلب الحياةِ ، ولـثم الخريف لزهـر الغصون
وشذو المساء ِ وضوء الليالي ، وصوت النشيد ِ بأرقـى اللحون
ولمـا تـغـنـّى بـوحــي الإلــه ِ ، وشعــر السمـاءِ وقــدس ِ الفنون
وهمس ِ الصفاءِ ولون ِ المياهِ ، وروح ِ الربيع ِ وجـرْس ِ الوكون
وثلـج ٍ من المزن ِ يهوي صريعاً ، بلا قطرة ٍ من دماء ِ الجفون
وتاهت عن الكون كلُّ البلايا ، وغابت عن الأرض كلُّ الحزون
تراءت إليـهِ بنــاتُ الجـحـيـم ِ ، بأقـسـى وأشـقـى ما قـد يكــون
تراءت إليهِ بعـصف الريـاح ِ ، وقـصف الهـموم ورعد المنون
تـُراقـِصُ غـولَ الظـلام الرجيـم ِ ، على رنـّة مـن أغاني الدجـون
تراءت فأرخــت ستـورَ الظلام ِ ، لتجري عليها دمــوع ٌهتون
تــراءت إلــيــهِ يـعــذبـنــه ، عـذاب الأسيــر الذليـل الخــؤون
يعـذبـنــه وهْــو بين القـيـودِ ، يسلـِّـم روح الهـوى فـى سكـون
ففاضت زهورُ الهوى بالدموع ِ، وجاشت لحون الهوى بالشجون
تـراءت وقال بثغـر الظـلام ، وصوتِ الرعود وحرف الجنون
أأنـت الــذي قد تمادى وغـنـّى ، بحــبِّ الحيـاة وعشــق الفنون ؟
أأنـت الـذي قد تـغـنـّى بـنـاي ٍ ، وناجـى وريقـات كل الغصون ؟
أأنـت الـذي قد شكـاه الظــلامُ ، وحـطـّـم بالنـور ظـلـم القـرون ؟
أأنـت الـذي قد هــواه الربـيـعُ ، وسـمّـتـه كـل الأغـانـي حنـون ؟
أجــبْ أيها القلب روح َ الجحيم ِ أجـبْ عن تفاسير هـذى الشؤون
نعــم ، إنـنـي مـذنــبٌ مجـــرمٌ ، تعاهــدت آثــــام كـــل الشـــؤون
وأسمعتُ بالكون عزف النسيم وأسكتُّ في الكون زعْق الظنون
ولوّنتُ غيم المساء الكئيب ِ ، بريشة طيــف الصباح الحــنـون
وناديتُ للسلم بين العباد ِ ، وأخرسـتُ في الكـون حرباً زبــون
وشيّدتُّ بالحب صرحاً عظيماً ، ليعلو قلاع الأسى والحصـون
وصوّرتُ بالشمع نور الجمال ِ فغارتْ عروسُ الضياءِ المصون
إذا كان بالإثــم روح الحيـاة ِ ... فـمـرحــاً بآثــام كـل المجـون

