
" وطنى لو شـُغلت بالخلد عنه ... نازعتنى إليه فى الخلد نفسى " أمير الشعراء (أحمد شوقي)
عندما قرأت هذا البيت فى أول مرة فى حياتى عندما كنت فى الثانوية ، استبشعت ذلك القول جدا ، وقلت كيف يقول المرء أنه لو كان فى الجنة التى عرضها كعرض السماوات والأرض ، فى الجنة التى ترابها الزعفران والمسك وحيطانها لبنة من فضه وأخرى من ذهب ، فى الجنة التى فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وفيها ما لم يخطر على قلب بشر ، فى هذه الجنه يشتاق المرء فيها الى وطنه ...!!
ولذلك انتقد الأستاذ مصطفى صادق الرافعى هذا القول وهاجم شوقى بشده على هذا البيت ، وكنت بالكلية ألوم شوقى وأقف فى صف الأستاذ الرافعى رحمة الله على الجميع ،،
إلا أننى مذ فارقت مصر ، وشعرت بحقيقة الحب والشوق الى الوطن ، التمست جدا العذر الى الأستاذ شوقى رحمه الله ، فمصطفى صادق الرافعى قضى أغلب عمره فى مصر ، ولم يشعر حقا بمرارة الغربة التى عاشها شوقى وسافر خلالها الى الأندلس وقضى فيها الوقت غير القصير فضلا عن سفره الى فرنسا واوروبا ثم تركيا وغيرها ،،
فهكذا الأمر إذن ، إنها مصر الحبيبة ، مصر التى ما شعرت بقيمة اسمها ، وما تذوقت طعم هذه الحروف الثلاث الا بعد سفرى عنها وغربة وجهى عن وجههـا ،،
فما سرت فى شارع من الشوارع إلا وشعرت بأنها ميتة لا روح فيها ولا دم يجرى فى عروقها ، مهما تزيّنت أو تجمّلـت ، أو حتى تطاولت فى البنيان والعلو ، فمازال الشارع المصرى له الرونق الخاص ، والإحساس العالى ، الذى لو أنفق العالم كله كنوز البحار وآبار النفط والذهب ما أدركوا حقيقة هذا الإحساس ، وطعم هذا الرونق الخاص ،،
الحقيقة التى لا جدال فيها أنى أعشق هذا البلد الطيب ، وانا الآن لا أدرى ما هى الكلمات التى قد تعبر عن حقيقة مشاعرى وعن طعم تذوقى لهذه المشاعر ،،
لا بل الحقيقة أنى أفتقدها وأتوق اليها ونفسى تنازعنى ليل نهار وعينى لو تركت لها العنان لأفاضت من دمعها ما يحطم قلوب العذارى ويقطع عن الحليم حلمه ،،
ما الذى يجرى ؟ وما الذى يحدث ؟ لا أدرى ، فكل يوم يمر وأزداد شوقا وحبا الى بلادى ، أزداد شوقا الى هذا الرجل العجوز بوجهه المتجعد بتجاعيد حفرها الزمان وترى فيها أصالة البشر ، فهذا الوجه لن تراه الا بمصر ،،
أشتاق الى هذا الهواء الممزوج بضياء النجوم وسحر التاريخ وعبق الحضارة على كوبرى قصر النيل ، وأنا أنظر الى ذاك الأسد الشامخ على جانبه ، وكأنه يقول " هنا مصـر "
أشتاق الى الحارات الصغيرة التى مازجها فقر وطيبة ، وأرض حبيبة ، ونفس رحيبه ، نعم فهذه الحارات الصغيرة فى نفسى أجمل وأبرع من عمارات وأبراج رهيبه ،،
تفقدوا هذه الحارات جيدا فلن تجدوها الا بمصر ،،
أشتاق الى ذلك المسجد الصغير ، وهذا الرجل الكبير الذى لا تفوته صلاة ولا يؤذن المؤذن الا وهو بالمسجد ، أشتاق الى ذلك الفجر ، صلاة الفجر التى لها من السحر والبهاء والروح ما ليس فى غيرها من بقاع الأرض ،،
أشتاق الى تلك العمارات المنثورة فى شارع طلعت حرب بل أشتاق الى أصوات المصريين فى كل مكان ، فأحد يغنى ، وهذا يناقش ، وهذا يقرأ الجريدة ، وهذا يقرأ القرآن ، وهذا يحادث الفتاة الجميلة ، وذاك يناقش السياسة التليدة ، تمتعوا بمثل هذا المنظر
فليس هناك مثله الا بمصــر ،،
الشـــوقُ نــــادى مـُـنـيـَـة العشـــاق ِ ... كم فى ثنايا الصـــوت مــن أشواق ِ
هامَـــتْ بعينى سَـــورةٌ فـــى عشقها ... من فيـــض ما أشكــو من الأحداق ِ
يا مصـرُ أنتـى فـــى عيــونى جميلةٌ ... فاقــــت جمال الغيــد ِ فى الإشراق ِ
إنـّـى لصَـــبٌ فـــى هواكى مُـدنـــفٌ ... تحوى ضلوعى زفـْـــرة المشتــاق ِ
من لى بسُقيـا فـى هجيـــر المشتهـى ... يا مصـرُ أنتـى فـــى حياتى الساقى
هل لى بكأس ٍ مــن هواكـى أحتسـى ... بعـــد الفـــــراقِ تجــــاوراً وتلاقى
إنـّـى لأرجـــوهـــا دهـاقـــاً علـّـهـــا ... تشفــى شجونــــاً بالـــدم الدفــّــــاق ِ
مهمــا رأت نفسـى جمالا فى القرى ... لا تسلـو نفـســى جنــّـــة الآفـــــاق ِ
مصـرُ التى قـــد أبهــرت بربوعهـا ... كل النـُّـهـى من سحــرها الخــــلاّق ِ
إن النـُّـهـى لـــو زُيـِّـنـــت بتواضع ٍ ... لأتـــت بكـــل بديعـــــةٍ وسبــــــاق ِ
ولكن أصيبـــت نفـــسُ فــى مُنديـَّـةٍ ... إلا نفــوســـاً مــــن حيـــــاءٍ باقـــى
كم يُـنـعـــمُ المولـــى بفيـض ِ جميلهِ ... وأجلـّـه فيــــضٌ مـــــن الأخــــلاق ِ
لا تأمـــــن الدنيـــــا ولا لشبابــهـــا ... فهـْـى العجـــــوز برونــــقٍ أفــّــاق ِ
تـُبـدى وجوهـاً فى رياعين الصِّبــا ... والدهــــر يشـــــرخ وجهها بشقـاق ِ
كـــلا ولا أبـــدا تراجـى زهـــرهــا ... إن السمـــــوم لزهـــرهـا كوثـــــاق ِ
كم ذقـت ُ من كـَـبـَـد ٍ يمــازج طبعها ... ورضعـــت من أسقـــام ثدى فـراق ِ
من لى بأهل ٍ ذقـت ُ فيهـــم وحشــة ً ... فلتأخــــذوا عمــــرى لأجـــل عنـاق ِ
أمى وروحـى قلبى يخفـــق حولهــا ... يا أمــى أنــــت ِ بنبضـــه الخفـّـــاق ِ
هل تسمعيــن بنبــض قلبـك ِ حسَّـهُ ... أو تـنـصـتــيــــن لحبـِّــه الرقــــراق ِ
ماذا لقـيـتى بعـــد طــــول غيابــنــا ... إذ لا أنيــس ســـوى الحنيـــن الراقى
آه ٍ مــن الأحشــاء تـُسـمـعُ صوتها ... كـــل البــــلاد فليــــس منهـــــا باقـى
إنــّى (بشارقـة ٍ) تمـــوج بحسنهــا ... (وبحيــــــرة ٍ) بمياهـهــــا أشـــواقى
أ ُلقــى سمومـــاً كــل يـــوم ٍ عندها ... وأنــــــا أخاطـــب بلـــــدة العشــّــاق ِ
يا (مسجـداً بالنـور) كنـت َ منارة ً ... تهــدى العبــاد لخشيــــة ٍ وخــَــــلاق ِ
أخبـــر بــلاد الله أنــى فى الهــوى ... مصـرى ومكــّى ، مغربــى وعراقـى