
كان يسير هادئ النفس صافى الروح مع صديق له فوق مروج خضراء شاسعة وضوء الشمس يغرد فوقهما وينشر بهاءه ونوره على مد البصر ،
وظلوا سائرين حتى بدأت الشمس فى الغروب وعاشوا لحظة هى من أجمل لحظات هذا الكون البديع حينما استوت الشمس الى الغروب وأرسلت أشعتها الحمراء الخافتة فوق المروج الخضراء وصعد البدر فى أفق السماء ،
وحينها قال أحدهم وترتسم على وجهه ابتسامة الحيـاة :-
قصور الأغـانـى وهـمـس الخريف ... وسحـر الليـالـى وضـوء ٍ لطيـــفْ
وبـدر ينــاغــى نجـــوم الـسـمـاء ِ ... ونجــمٌ يغنى بصـــوت عـفــيـــفْ
وهــذا الصـبــاح الــذى لا يُــمـــلُّ ... وذاك المـسـاء الـذى لا يُـخـيـــف
وبحـــر بأمــواجــــه المـرهـفـات ِ ... تداعــب شطــاً بـحـــس ٍ رهيــف
فيـا قانـطــاً مــن فـنــون الحـيــاة ِ ... ترنــَّـم وغـنــى بلحــن ٍ طـريــف
وفى ظل هذه الأنشودة التى كان يترنم فيها بجمال الحياة وروعة الكون فى ظل المروج الخضراء الشاسعة ونسيم الحياة البليل الهادئ وجه إليه صديقه وجهه فجأة ،
ثم نظر إليه نظرة هازئ مستنكر ، ينكر ما هو عليه من حلم ليس إلا فى خيال الشعراء وأوهام السكارى ،،
فقاطع أنشودته التى كان يتغنى فيها بالحياة قائلا له :-
أيـا حـالــمـــاً ناعــمــاً هـانــئـــاً ... وما ذقــت يومــاً عـــذاب النــزيــف
وما جـبــت يومــاً ظـلام الزمان ِ ... وما نـمــت يومــاً بدمـــع ٍ ذريــــف
بهذا الـزمــان جـنــون ٌ ومـوت ٌ ... وحـقـــد ٌ وجـبـــن ٌ وظلـمٌ مـخـيــف
غنـىٌ ، فيقـتــل حـلـم الفـقـيـــر ِ ... قـــوىٌ ، فيكـســر عـــود الضعيـف
لئيــم ٌ ، فيـذبــح روح الكـريـــم ِ ... وضيع ٌ ، فيهتــك عرض الشريـف
وبعد أن أنهى مقطوعته الحزينة التى تقطر دما وبؤسا ودمعا ،
استمر فى تغريده الحزين البائس وأعلى صوته ورفع يده فى وجه صديقه المتفائل المتغنى بجمال الحياة يحذره من غدر الزمان وعادته مع أمثاله فنظر له نظرة قوية شديدة ، وقال له :-
إذا كـنــت يومــا ربـيـــع الحيـــاة ِ ... فلابـــد يومــاً تكــون الخـريـــف
ولو كـنــت يومــاً قـويــاً عــزيــزاً ... فلابـــد يومــاً تكــون الضـعـيـف
وأخذ يردد هذه الأبيات ويعيدها فى وجهه مرارا وتكرارا
إذا كنـــت يومــا ربـيــع الحـيــــاة ِ ... فلابــد يومــاً تكــون الخــريــف
ولو كـنــت يومــاً قويــاً عــزيــــزاً ... فلابــد يومـــاً تكــون الضعـيـف
إذا كنـــت يومــاً ربـيــــع الحـيـــاة ِ ... فلابــد يومــاً تكـــون الخـريــف
ولو كـنــت يومــاً قـويــاً عــزيـــزاً ... فلابـــد يومــاً تكــون الضـعـيـف
وينظر إلى السماء ويوجه الخطاب للكون والحياة ويعيد مرة أخرى
إذا كـنــت يـومــاً ربـيـــع الحـيــاة ِ ... فلابــد يـومــاً تكــون الخــريــف
ولو كـنــت يـومــاً قــوياً عــزيـــزاً ... فلابــد يــومــاً تكــون الضعـيــف
حتى إذا انتهى من حديثه وعزفه الحزين القاسى فى وجه الحياة ، وخمد صوته وانطفأ لهيبه ،،
هدأ وساد الصمت قليلاً ،،
وسار الصديقان ، وبينما هم فى صمتهم إذ يقطع هذا الصمت الصديق المتفائل المتغنى بجمال الحياة ،
وأراد أن يرد على صديقه الذى ظن أنه أفحمه بقسوته مع جمال الووجود وروعة الكون وحياته ،،
فنظر هذا الصديق المتفائل المتغنى بالحياة إلى الأرض وهم سائرين ووجه الخطاب لصديقه القانط من دون أن يخاطبه فى وجهه ولكن ووجه ناظر إلى الأرض وبصوت هادئ طيب صافى ، فقال له :-
أيـا يـائــســاً مــن جـمـــال الـحــيـــاة ... وهــل ذقـــت يومــاً جـمــال الخــريف ؟!
وهل عشـــت فــى قلــب هــذى الحـيـــاةِ ... تـنــادى الجـمــال بـوحــىٍ ظــريـف
تـنــادى الـنـسـيـــم َ وعــــش الطـيـــور ِ ... ونجــم الليـالــى وغصـنــاً وريـــف
وسـحـــر المــروج وعـــذب الـنــشــيـــد ... ويـنـبـــوع حــب ٍ وظــلاً شـفـيــف
وتـلـهـــو مــع الــبــدر أنــّـى يــسـيـــرُ ... وتـلـهــو مـع الفـجـر أنــّـى يطـــوف
وتـلـهـــو مــع الـصـبــح فـى كـل حـيــن ٍ ... وتلهــو مــع اللـيــل رغم الظـروف
وترحــم قــلـــب الـيـتـامــى الـكـســيـــرَ ... وتـرحـم دمـــع الـحـيــــاة الــذريـف
وتوحــى إلى الكـــون وحــى الـربــيـــع ... وتوحـى إلـى الكـائـنــات الـحـــروف
وتمحــو عــن الـكــون هــم ِّ السنـيــن ِ ... بأنـشـــودة ٍ تــتــحـــدى الحــتــــوف
وتمحــو عــن الـنـهــر مـلـحـاً أجـاجــاً ... وتمحــو عـن البحـر غـزواً عـســوف
وتحيــا كـعـصـفــورة ٍ فــى الـربــيـــع ... وما بـيــن أزهـــــار كــل القــطــــوف
ومـا بـيـــن أنــوار لـحـــن الـجــمــال ِ ... وتحــت الـتـــلال وفـــوق الـرفــــوف
وتصغــى لهـمــس الوجــود البــديــع ِ ... كـأحـلــى نـشـيــد ٍ بـوقــع الــدفــــوف
وتصغـى لعــزف المــســاء ِ الرحـيــم ِ ... ودقـــات قــلــب الـصــبـاح الـــرؤوف
وتصغــى لشكــوى الفـراشِ الحزيـن ِ ... وشكـــوى الشيــاةِ وشكــوى الخـروف
وشكــوى الغصــونِ زفـيــف الريــاحِ ... وشكــوى الضـيـاء ِ ظــلام السـجــــوف
وشكــوى الشتــاءِ قصـيــف الرعـودِ ... وشكــوى الشمـوسِ حجــاب الكســـوف
وشكــوى اليتامـى وشكـوى الأيامـى ... وشكــوى المريــضِ وشكــوى الكفـيــف
وشكــوى الكـبـار وشـكــوى الصغارِ ... وشكـــوى البـرايــا وشكــوى الألــــوف
ثم وجه إلى صديقه القانط وجهه قائلا له فى صوت عالى واضح وقوى :-
فلـو عشــت فــى كـل يــوم ٍ سـعـيــداً ... لمــا كـنــت يـومــاً بـقـلـــب ٍ عـطـــوف
وأخذ يردد ذلك مرات عديدة فى وجهه
فلـو عشـت فـــى كــل يــوم ٍ سـعـيـــداً ... لمــا كـنــت يــومــاً بـقـلـــب ٍ عـطــوف
فلـو عشــت فــى كــل يــوم ٍ سـعـيـــداً ... لمــا كـنـت يـومــاً بـقـلـــب ٍ عـطــــوف
وفجأة وهو يردد ذلك فى وجهه رأى فى عينى صديقة القانط دموع تتلألأ كأحلى ما رأى من الماس ، فأحس بوخز فى قلبه وكأنه قسى على صديقه فى الحديث فساد الصمت فى لحظات مرت على كليهما مر السنين ،
فحاول الصديق القانط من جمال الحياة أن يرفع عن صديقه الحرج والأسى فمسح دموعه وعبراته وحاول أن يتمالك أمره ثم وجه وجهه إلى الأرض يخاطبه ويشدو قائلا :-
جـعـلــت الـحـيـــاة َ كـقــصــر ٍ بـديـــع ٍ ... فـمــالــى أراهــــا ظـــلام َ الكــهــــوف
ومـالــى أعــانــى شـــرور الــزمــــان ِ ... وقـصــف الـبـلايـــا ورعـــد الحــتـوف
وسفــك الـدمـاء ِ ورجـــف الـقـلـــوب ِ ... ودمـــع الـدمـــوع ِ وضــرب السيـــوف
وقــيـــد الأســيـــر الــذى عــذبــتــــه ُ ... بـنـــات ُ الجـحـيــــم وريــح ٍعـصـــوف
ثم أدرك الصديق اليائس الحزين أنه لا جدوى من العزف على قيثارته هذه ، وأنها كلام لا طائل منه ولا شئ يعود من التفصيل فى نغماتها وأشجانها وأحزانها وما هو إلا ترديد ثم ترديد ، فما خلق الله هذا الكون لكى يعذب عباده فيه ، وما خلقه كى يعيشو فى هم وغم ،
وأدرك أنه لا ملجأ له إلا الشكو إلى من يجيب الشكوى ويكشف السوء فرفع وجهه إلى السماء ورفع يديه كأنه يحضن الكون بين ذراعيه وأنشد بأجمل صوت حزين سمعته المروج الخضراء التى يمشى عليها فقال :-
ضـعــيــف ٌ أنــا يــا إلهـى ضـعـــيـــف ُ ... نحــيـــف ٌ لـهـمــّى نحــيـــف ٌ نـحـيـــف
تــمـــرُّ اللـيــالــى وتـمـضــى لـيــالــــى ... وقـلــبــى مــلـــئ ٌ بـحــــزن ٍ كــثــيـــف
أفــى القـلــب حــظ الحـيــاة ِ الـتـعـيـس ِ ... أفــى الـقـلـب حــظ الـحـيــاة السـخـيــف
أفــى الـقـلـــب آثــام هـــذا الــوجـــــود ِ ... أفــى القـلــب سـيــل الـذنــوب الغـريــف
دمـــوع الـعــذارى وصـــرخ اليـتـــامــى ... ونــَـوح الأيــامـى بـقـلـبـى الـضـعــيــف
إلـهـى عـــذابٌ مــمــيــت ٌ مــمـــيــــت ٌ ... إلــهــى ظــــلام ٌ مــخــيـــف ٌ مــخـيـــف
إلـهــى صــــراع ٌ ألـــيــــم ٌ ألـــيــــــم ٌ ... إلـهــــى دبــيـــب عــنــيـــفٌ عــنــيـــف
ثم أخذ يردد كالمجنون لا يهدأ ودمعه قد أغرق ملامح وجهه الوسيم النحيف
إلـهــى عـــذابٌ مــمــيــت ٌ مــمــيــت ٌ ... إلـهــى ظـــلام ٌ مــخــيــف ٌ مــخـيــــف
إلـهــى صـــراع ٌ ألـــيــــم ٌ ألـــيـــــم ٌ ... إلهــى دبــيـــب عـنــيـــفٌ عــنــيــــف
إلهى عـذابٌ مـمـيـت ٌ مـمـيـت ٌ ... إلهى ظــلام ٌ مـخـيـف ٌ مـخيــف
إلـهــى صــراع ٌ ألــيــمٌ ألــيـــمٌ ... إلهــى دبـيــب عنـيــفٌ عـنـيــف
إلهى عـذابٌ مـمـيـت ٌ مـمـيـت ٌ ... إلهى ظــلام ٌ مـخـيـف ٌ مـخيــف
إلـهــى صــراع ٌ ألــيــمٌ ألــيـــمٌ ... إلهــى دبـيــب عنـيــفٌ عـنـيــف


هناك 6 تعليقات:
إذا كـنــت يومــا ربـيـــع الحيـــاة ِ ... فلابـــد يومــاً تكــون الخـريـــف
ولو كـنــت يومــاً قـويــاً عــزيــزاً ... فلابـــد يومــاً تكــون الضـعـيـف
ياااه على البيتين دول بجد .. الحياة كلها تلخصت في البيتين دول
رائعة بجد .. انت اللي كاتبها؟ :)
جزاكم الله خيرا على كلامك الطيب يا اختى :)
وايوه انا اللى كاتبها
مينفعش يعنى :D
ههههه
الله المستعان
وشكرا على ردك يا أختى :)
السلام عليكم
لا والله ما أقصدش بجد :)
بس لأنها فعلاً رائعة جدًا ماشاء الله وعيشتني حالة رائعة من كتر تفاعلي معاها كدة .. الكلمات .. المعاني .. الموسيقى .. الوزن وكله بصراحة :)
مزيد من التقدم إن شاء الله :D
لا يا اختى عادى انا بهزر والله :))
وربنا يخليكى على كلامك اللى ماستحقوش بصراحه
وجزاكم الله خيرا يا فندم :)
ولكم مزيدا من التقدم والرقى والسعادة والفرح والتقوى إن شاء الله
السلام عليكم
احلى حاجه في الموضوع
كأنك صورتني انا وسارة بالصديقان دول:D
واحد حزين بائس ( اللي هو انا )الحمدلله
والتاني مبتسم للحياه ( سارتي الله يسعدها دايمآ يارب )
تعبت معايا والله بصراحة سارة
الله يكرمها يارب
كل كلمة مكتوبه قريبه مني اوي او تذكره عشان افوق شويه
ربنا يجزيك كل خير يا مصعب وميحرمناش من ابداعك ابدآ
عالهامش
لاقيت الصورة بتاعة الموضوع دي فين يا مصعب اصلها روووووووعه بجد :)
مروة :)
لا لا سيبك من سارة دلوقتى
دى تلاقيها بتلعب بلاى ستيشن 3 ومش فاضيالك أصلا يا حاجه
ههههههه
اسألينى انا وأنا أديكى المفيد :)
جزاكم الله خيرا على كلامك الطيب يا اختى :)
والصورة يا ستى كانت موجوده عندى على الجهاز اصلا
اتفضليها على العموم :))
يارب تكونى كويسه وبخير يا اختى يارب
السلام عليكم
إرسال تعليق